أحمد بن سهل البلخي

419

مصالح الأبدان والأنفس

وماء العسل وغيرهما / ، فإنّ كلّا يسأم ويملّ على طول الشرب ، ولا يقطع العطش قطعا تامّا ، فيحوج متعاطيه على حال إلى شرب الماء ومعاودة ضرره « 1 » . ومن تلك الفضائل أنّ الإنسان إذا تناول هذا الشراب قطعه عن سائر شهوات الأطعمة والأشربة ، فلم يشته شيئا منها بعد ابتدائه في شربه . وأمّا أصناف الأطعمة والأشربة ممّا سواه ، فليس حكمها هذا الحكم ؛ لأنّ الإنسان إنّما يقطع شهوته عن تناولها بانتهاء قوّته وامتلاء معدته ، فأمّا ما دام فيها « 2 » فضل ، فإنّ نفسه تتوق إلى تناول الشيء بعد الشيء ممّا تقدّم إليه ، أو يقع بصره عليه ، إلى أن تنتقل وتميل معدته ، وتقطعه الكظّة . فدلّ ذلك على أنّ هذا الشراب هو نهاية اللّذات التي إذا بلغها الإنسان لم تنزع « 3 » معها القوّة الشهويّة بعذر إلى شيء يتناوله زيادة عليه « 4 » . ومن تلك الفضائل أنّ كلّا من المطاعم والمشارب سواه ، فإنّ الإنسان / يبتدئه مستلذّا لتناوله ، ثمّ لا تزال شهوته تفتر وتضعف حتى يقطعه عنه الشّبع والرّيّ على سبيل بشم « 5 » له ، وملال منه ، وعزوف عنه ، فأمّا هو فحكمه ضدّ ذلك ، وهو أنّ متناولة يبتدئ فيه وهو مستبشع متكرّه له ، ثمّ لا يزال على تماديه في شربه تزداد نفسه شهوة له ، وميلا إليه ، وقوّة عليه حتى يقطعه بانتهاء « 6 » قوّته وذهاب عقله ، وهو أشهى شيء إليه ، وآثره لديه ، فيحلّ « 7 » بوجود هذه الصفة فيه محلّ الأغذية الروحانيّة من السماع والمحادثة وأشباههما ، التي لا يملّ

--> ( 1 ) في أ : ضرر . والصواب من ب . ( 2 ) أي : في معدته . ( 3 ) نزع إلى أهله نزاعة ونزاعا ، بالكسر ، ونزوعا ، بالضم : اشتاق ، كنازع ( القاموس المحيط ن ز ع 1 / 1025 ) . ( 4 ) أي : على الشراب . ( 5 ) البشم ، محركة : التخمة ، والسآمة ( القاموس المحيط ب ش م 2 / 1425 ) . ( 6 ) في أ : تقطعه . والصواب من ب . ( 7 ) في أ ، ب : فتحلّ . والصواب ما أثبت ؛ لأن المقصود الشراب المتقدم ذكره .